محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عمران . والهاء والميم اللتان في قوله : من بعدهم هي كناية ذكر الأنبياء عليهم السلام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى هذا الموضع . بآياتنا يقول : بحججنا وأدلتنا إلى فرعون وملئه ، يعني : إلى جماعة فرعون من الرجال . فظلموا بها يقول : فكفروا بها . والهاء والألف اللتان في قوله بها عائدتان على الآيات . ومعنى ذلك : فظلموا بآياتنا التي بعثنا بها موسى إليهم . وإنما جاز أن يقال : فظلموا بها ، بمعنى : كفروا بها ، لان الظلم : وضع الشئ في غير موضعه ، وقد دللت فيما مضى على أن ذلك معناه بما أغنى عن إعادته . والكفر بآيات الله : وضع لها في غير موضعها ، وصرف لها إلى غير وجهها الذي عنيت به . ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ( ص ) : فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض ، يعني فرعون وملأه ، إذ ظلموا بآيات الله التي جاءهم بها موسى عليه السلام ، وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعا في البحر . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين ) * . يقول جل ثناؤه : وقال موسى لفرعون : يا فرعون إني رسول من رب العالمين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ئ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ) * . اختلفت القراء في قراءة قوله : حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصرة والكوفة : حقيق على أن لا أقول بإرسال الياء من على وترك تشديدها ، بمعنى : أنا حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق ، فوجهوا معنى على إلى معنى الباء ، كما يقال : رميت بالقوس وعلى القوس ، وجئت على حال حسنة ، وبحال حسنة . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : إذا قرئ ذلك كذلك ، فمعناه : حريص على أن لا أقول إلا بحق . وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة : حقيق على أن لا أقول بمعنى : واجب علي أن لا أقول ، وحق علي أن لا أقول . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا