محمد بن جرير الطبري

13

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها ، وهي السراء ، لأنها تسر أهلها . وجهل المساكين شكر نعمة الله ، وأغفلوا من جهلهم استدامة فضله بالإنابة إلى طاعته ، والمسارعة إلى الاقلاع عما يكرهه بالتوبة ، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون . يقول جل جلاله : فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون يقول : فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، أتاهم على غرة منهم بمجيئه ، وهم لا يدرون ، ولا يعلمون أنه يجيئهم ، بل هم بأنه آتيهم مكذبون حتى يعاينوه ويروه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ئ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ئ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ئ . . . القول في تأويل قوله تعالى : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) * . يقول تعالى ذكره : أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته ، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش ، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم ، فإن مكر الله لا يأمنه ، يقول : لا يأمن ذلك أن يكون استدراجا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) * . يقول : أو لم يبين للذين يستخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها ، فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم ، وعتوا عن أمر ربهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم يقول : إن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ، فأخذناهم بذنوبهم ، وعجلنا لهم بأسنا كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض ، فأهلكناهم بذنوبهم . ونطبع على