محمد بن جرير الطبري
38
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يحسبن الذين كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون وهذا فصيح صحيح إذا أدخلت أنهم في الكلام ، لان يحسبن عاملة في أنهم ، وإذا لم يكن في الكلام أنهم كانت خالية من اسم تعمل فيه . وللذي قرأ من ذلك من القراء وجهان في كلام العرب وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم : أحدهما أن يكون أريد به : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، أو أنهم سبقوا ، ثم حذف أن وأنهم ، كما قال جل ثناؤه : ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا بمعنى : أن يريكم . وقد ينشد في نحو ذلك بيت لذي الرمة : أظن ابن طرثوث عيينة ذاهبا * بعاديتي تكذابه وجعائله بمعنى : أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي تكذابه وجعائله . وكذلك قراءة من قرأ ذلك بالياء ، يوجه سبقوا إلى سابقين على هذا المعنى . والوجه الثاني على أنه أراد إضمار منصوب ب يحسب ، كأنه قال : ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا ، ثم حذف الهمز وأضمر . وقد وجه بعضهم معنى قوله : أنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه إنما ذلكم الشيطان يخوف المؤمن من أوليائه ، وأن ذكر المؤمن مضمر في قوله : يخوف ، إذ كان الشيطان عنده لا يخوف أولياءه . وقرأ ذلك بعض أهل الشام : ولا يحسبن الذين كفروا بالتاء من تحسبن سبقوا إنهم لا يعجزون بفتح الألف من أنهم ، بمعنى : ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون . ولا وجه لهذه القراءة يعقل إلا أن يكون أراد القارئ بلا التي في يعجزون لا التي تدخل في الكلام حشوا وصلة . فيكون معنى الكلام حينئذ : ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم يعجزون . ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله إلى التطويل بغير حجة يجب التسليم لها وله في الصحة مخرج . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ : لا تحسبن بالتاء الذين كفروا سبقوا إنهم بكسر الألف من إنهم لا يعجزون بمعنى : ولا تحسبن أنت يا محمد الذين جحدوا حجج الله وكذبوا بها سبقونا بأنفسهم ، ففاتونا ، إنهم لا يعجزوننا :