محمد بن جرير الطبري
33
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقوله : وأن الله سميع عليم يقول : لا يخفى عليه شئ من كلام خلقه ، يسمع كلام كل ناطق منهم بخير نطق أو بشر ، عليم بما تضمره صدورهم ، وهو مجازيهم ومثيبهم على ما يقولون ويعملون ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ) * . يقول تعالى ذكره : غير هؤلاء المشركون بالله المقتولون ببدر ، نعمة ربهم التي أنعم بها عليهم ، بابتعاثه محمدا منهم وبين أظهرهم ، داعيا لهم إلى الهدى ، بتكذيبهم إياه وحربهم له . كدأب آل فرعون : كسنة آل فرعون وعادتهم ، وفعلهم بموسى نبي الله في تكذيبهم إياه ، وتصديهم لحربه وعادة من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها وصنيعهم . فأهلكناهم بذنوبهم بعضا بالرجفة ، وبعضا بالخسف ، وبعضا بالريح . وأغرقنا آل فرعون في اليم . وكل كانوا ظالمين يقول : كل هؤلاء الأمم التي أهلكناها كانوا فاعلين ما لم يكن لهم فعله من تكذيبهم رسل الله والجحود لآياته ، فكذلك أهلكنا هؤلاء الذين أهلكناهم ببدر ، إذ غيروا نعمة الله عندهم بالقتل بالسيف ، وأذللنا بعضهم بالإسار والسباء . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون ) * . يقول تعالى ذكره : إن شر ما دب على الأرض عند الله الذين كفروا بربهم فجحدوا وحدانيته ، وعبدوا غيره . فهم لا يؤمنون يقول : فهم لا يصدقون رسل الله ولا يقرون بوحيه وتنزيله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ) * . يقول تعالى ذكره : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ، الذين عاهدت منهم يا محمد ، يقول : أخذت عهودهم ومواثيقهم أن لا يحاربوك ولا يظاهروا عليك محاربا لك كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد وعقد ، ثم ينقضون عهودهم ومواثيقهم ، كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك وظاهروا عليك ، وهم لا يتقون الله ولا يخافون في فعلهم ذلك أن