محمد بن جرير الطبري
226
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وأما قوله : أولئك حبطت أعمالهم فإن معناه : هؤلاء الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب ، وفعلوا في ذلك فعل الهالكين من الأمم قبلهم ، حبطت أعمالهم يقول : ذهبت أعمالهم باطلا ، فلا ثواب لها إلا النار ، لأنها كانت فيما يسخط الله ويكرهه . وأولئك هم الخاسرون يقول : وأولئك هم المغبونون صفقتهم ببيعهم نعيم الآخرة ، بخلاقهم من الدنيا اليسير الزهيد . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) * . يقول تعالى ذكره : ألم يأت هؤلاء المنافقين الذين يسرون الكفر بالله ، وينهون عن الايمان به وبرسوله نبأ الذين من قبلهم يقول : خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم حين عصوا رسلنا ، وخالفوا أمرنا ماذا حل بهم من عقوبتنا ؟ ثم بين جل ثناؤه من أولئك الأمم التي قال لهؤلاء المنافقين ألم يأتهم نبؤهم ، فقال : قوم نوح ولذلك خفض القوم لأنه ترجم بهم عن الذين ، والذين في موضع خفض . ومعنى الكلام : ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر قوم نوح وصنيعي بهم ، إذ كذبوا رسولي نوحا وخالفوا أمري ، ألم أغرقهم بالطوفان ؟ وعاد يقول : وخبر عاد إذ عصوا رسولي هودا ، ألم أهلكهم بريح صرصر عاتية ؟ وخبر ثمود إذ عصوا رسولي صالحا ، ألم أهلكهم بالرجفة ، فأتركهم بأفنيتهم خمودا ؟ وخبر قوم إبراهيم إذ عصوه ، وردوا عليه ما جاءهم به من عند الله من الحق ، ألم أسلبهم النعمة وأهلك ملكهم نمروذ ؟ وخبر أصحاب مدين بن إبراهيم ، ألم أهلكهم بعذاب يوم الظلة ، إذ كذبوا رسولي شعيبا ؟ وخبر المنقلبة بهم أرضهم ، فصار أعلاها أسفلها ، إذ عصوا رسولي لوطا وكذبوا ما جاءهم به من عندي من الحق . يقول تعالى ذكره : أفأمن هؤلاء المنافقون الذين يستهزءون بالله وبآياته ورسوله ، أن يسلك بهم في الانتقام منهم وتعجيل الخزي والنكال لهم في الدنيا سبيل أسلافهم من الأمم ، ويحل بهم بتكذيبهم رسولي محمدا ( ص ) ما حل بهم في تكذيبهم رسلنا ، إذ أتتهم بالبينات . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :