محمد بن جرير الطبري
189
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فيبلغونهم ويؤدونه إليهم عيون لهم عليكم . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين عندي في ذلك بالصواب تأويل من قال : معناه : وفيكم سماعون لحديثكم لهم يبلغونه عنكم عيون لهم ، لان الأغلب من كلام العرب في قولهم : سماع ، وصف من وصف به أنه سماع للكلام ، كما قال الله جل ثناؤه في غير موضع من كتابه : سماعون للكذب واصفا بذلك قوما بسماع الكذب من الحديث . وأما إذا وصفوا الرجل بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه ، وانتهائه إليه فإنما تصفه بأنه له سامع ومطيع ، ولا تكاد تقول : هو له سماع مطيع . وأما قوله : والله عليم بالظالمين فإن معناه : والله ذو علم بمن يوجه أفعاله إلى غير وجوهها ويضعها في غير مواضعها ، ومن يستأذن رسول الله ( ص ) لعذر ومن يستأذنه شكا في الاسلام ونفاقا ، ومن يسمع حديث المؤمنين ليخبر به المنافقين ومن يسمعه ليسر بما سر المؤمنين ويساء بما ساءهم ، لا يخفى عليه شئ من سرائر خلقه وعلانيتهم . وقد بينا معنى الظلم في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ) * . يقول تعالى ذكره : لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد ، التمسوا صدهم عن دينهم ، وحرصوا على ردهم إلى الكفر بالتخذيل عنه ، كفعل عبد الله بن أبي بك وبأصحابك يوم أحد حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه ، وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتغوا لأصحاب رسول الله ( ص ) من الفتنة من قبل . ويعني بقوله : من قبل : من قبل هذا . وقلبوا لك الأمور يقول : وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأي بالتخذيل عنك ، وإنكار ما تأتيهم به ، ورده عليك . حتى جاء الحق يقول : حتى جاء نصر الله ، وظهر أمر الله يقول : وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه وهو الاسلام . وهم كارهون يقول : والمنافقون لظهور أمر الله ونصره إياك كارهون ، وكذلك الآن يظهرك الله ويظهر دينه على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر به وهم كارهون .