محمد بن جرير الطبري

172

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

عن ابن عباس ، قوله : ليواطئوا عدة ما حرم الله يقول : يشبهون . وذلك قريب المعنى مما بينا ، وذلك أن ما شابه الشئ فقد وافقه من الوجه الذي شابهه . وإنما معنى الكلام : أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرمونها عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله ، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها ، وإن قدموا وأخروا فذلك مواطأة عدتهم عدة ما حرم الله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) * . وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم ، وذلك غزوة رسول الله ( ص ) تبوك . يقول جل ثناؤه : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ما لكم أي شئ أمركم ، إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله يقول : إذا قال لكم رسول الله محمد : انفروا أي اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم . وأصل النفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك ، ومنه نفور الدابة غير أنه يقال من النفر إلى الغزو : نفر فلان إلى ثغر كذا ينفر نفرا ونفيرا ، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرقون بها بين اختلاف المخبر عنه وإن اتفقت معاني الخبر فمعنى الكلام : ما لكم أيها المؤمنون إذ قيل لكم : اخرجوا غزاه في سبيل الله أي في جهاد أعداء الله ، اثاقلتم إلى الأرض يقول تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها . وقيل : اثاقلتم لأنه أدغم التاء في الثاء . فأحدث لها ألف ليتوصل إلى الكلام بها . لان التاء مدغمة في الثاء ، ولو أسقطت الألف وابتدئ بها لم تكن إلا متحركة ، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها ، كما قال جل ثناؤه : حتى إذا اداركوا فيها جميعا وكما قال الشاعر : تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا * عذب المذاق إذا ما أتابع القبل فهو بني الفعل افتعلتم من التثاقل . وقوله : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة يقول جل ثناؤه ، أرضيتم بحظ الدنيا