محمد بن جرير الطبري

168

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة الكوفيين : يضل به الذين كفروا بمعنى : يضل الله بالنسئ الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : يضل به الذين كفروا بمعنى : يزول عن حجة الله التي جعلها لعباده طريقا يسلكونه إلى مرضاته الذين كفروا . وقد حكي عن الحسن البصري : يضل به الذين كفروا بمعنى : يضل بالنسئ الذي سنة الذين كفروا ، الناس . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : هما قراءتان مشهورتان ، قد قرأت بكل واحدة القراء أهل العلم بالقرآن والمعرفة به ، وهما متقاربتا المعنى ، لان من أضله الله فهو ضال ومن ضل فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضل ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيب . وأما الصواب من القراء في النسئ ، فالهمز ، وقراءته على تقدير فعيل ، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه . وأما قوله : يحلونه عاما فإن معناه : يحل الذين كفروا النسئ ، والهاء في قوله : يحلونه عائدة عليه . ومعنى الكلام : يحلون الذين أخروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عاما ويحرمونه عاما ، ليواطئوا عدة ما حرم الله يقول : ليوافقوا بتحليلهم ما حللوا من الشهور وتحريمهم ما حرموا منها ، عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم يقول : حسن لهم وحبب إليهم سيئ أعمالهم وقبيحها وما خولف به أمر الله وطاعته . والله لا يهدي القوم الكافرين يقول : والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وحلها وما لله فيه رضا ، القوم الجاحدين توحيده والمنكرين نبوة محمد ( ص ) ، ولكنه يخذلهم عن الهدى كما خذل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 12980 - حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إنما النسئ زيادة في الكفر قال : النسئ : هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام ، وكان يكنى أبا ثمامة ، فينادي : ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب ، ألا وإن صفر العام الأول حلال فيحله الناس ، فيحرم صفر عاما ، ويحرم المحرم عاما ، فذلك قوله تعالى : إنما النسئ زيادة في الكفر . . . إلى قوله : الكافرين . وقوله : إنما النسئ زيادة في الكفر يقول : يتركون المحرم عاما ،