محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم ، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه ، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير . والآخر : ذلك أن لم ربك يكن مهلك القرى بظلم يقول : لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر ، فيظلمهم بذلك ، والله غير ظلام للعبيد . وأولى القولين بالصواب عندي القول الأول ، أن يكون معناه : أن لم يكن ليهلكهم بشركهم دون إرسال الرسل إليهم والاعذار بينه وبينهم ، وذلك أن قوله : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم عقيب قوله : ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم إنما هو إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القرى بغير تذكير وتنبيه . وأما قوله : ذلك فإنه يجوز أن يكون نصبا ، بمعنى : فعلنا ذلك ، ويجوز أن يكون رفعا بمعنى الابتداء ، كأنه قال : ذلك كذلك . وأما أن فإنها في موضع نصب بمعنى : فعلنا ذلك من أجل أن لم يكن ربك مهلك القرى ، فإذا حذف ما كان يخفضها تعلق بها الفعل فنصب . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ) * . يقول تعالى ذكره : ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله ، يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . وما ربك بغافل عما يعملون يقول جل ثناؤه : وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) * . يقول جل ثناؤه : وربك يا محمد الذي أمر عباده بما أمرهم به ونهاهم عما نهاهم عنه وأثابهم على الطاعة وعاقبهم على المعصية ، الغنى عن عباده ، الذين أمرهم بما أمر ونهاهم عما نهى ، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه ، وهم المحتاجون إليه ، لأنه بيده حياتهم ومماتهم وأرزاقهم وأقواتهم ونفعهم وضرهم ، يقول عز ذكره : فلم أخلقهم يا محمد ولم آمرهم بما