محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الاثم من قولهم : فلان آثم حرج . وذكر عن العرب سماعا منها : حرج عليك ظلمي ، بمعنى : ضيق وإثم . والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب لاتفاق معنييهما ، وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في الوحد والفرد بفتح الحاء من الوحد والراء من الفرد وكسرهما بمعنى واحد . وأما الضيق ، فإن عامة القراء على فتح ضاده وتشديد يائه ، خلا بعض المكيين فإنه قرأه : ضيقا بفتح الضاد وتسكين الياء وتخفيفه . وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان : أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد ، كما قيل : هين لين ، بمعنى : هين لين . والآخر أن يكون سكنه بنية المصدر من قولهم : ضاق هذا الامر يضيق ضيقا ، كما قال رؤبة : وقد علمنا عند كل مأزق * ضيق بوجه الامر أي مضيق ومنه قول الله : ولا تك في ضيق مما يمكرون . وقال رؤبة أيضا : وشفها اللوح بمأزول ضيق بمعنى : ضيق . وحكي عن الكسائي أنه كان يقول : الضيق بالكسر : في المعاش والموضع ، وفي الامر الضيق . وفي هذه الآية أبين البيان لمن وفق لفهمها عن أن السبب الذي به توصل إلى الايمان والطاعة غير السبب الذي به توصل إلى الكفر والمعصية ، وأن كلا السببين من عند الله وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدر من أراد هدايته للاسلام ، ويجعل صدر