محمد بن جرير الطبري

308

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فإن كان الامر كما قال : فمدين قبيلة كتميم . وزعم أيضا ابن إسحاق أن شعيبا الذي ذكر الله أنه أرسله إليهم من ولد مدين هذا ، وأنه شعيب بن ميكيل بن يشجر ، قال : واسمه بالسريانية بثرون . فتأويل الكلام على ما قاله ابن إسحاق : ولقد أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيب بن ميكيل ، يدعوهم إلى طاعة الله والانتهاء إلى أمره وترك السعي في الأرض بالفساد والصد عن سبيله ، فقال لهم شعيب : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له ، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة غير الاله الذي خلقكم وبيده نفعكم وضركم . قد جاءتكم بينة من ربكم يقول : قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول وصدق ما أدعوكم إليه . فأوفوا الكيل والميزان يقول : أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به وبالوزن الذي تزنون به . ولا تبخسوا الناس أشياءهم يقول ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها . ومن ذلك قولهم : تحسبها حمقاء وهي باخسة ، بمعنى ظالمة ، ومنه قول الله : وشروه بثمن بخس يعني به : ردئ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11522 - حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : ولا تبخسوا الناس أشياءهم يقول : لا تظلموا الناس أشياءهم . 11523 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ولا تبخسوا الناس أشياءهم : قال : لا تظلموا الناس أشياءهم . وقوله : ولا تفسدوا في الأرض يقول : ولا تعملوا في أرض الله بمعاصيه وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه ، من عبادة غير الله والاشراك به وبخس الناس في الكيل والوزن . بعد إصلاحها يقول : بعد أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث النبي عليه السلام فيكم ، ينهاكم عما لا يحل لكم وما يكرهه الله لكم . ذلكم خير لكم يقول : هذا الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والوزن وترك الفساد في الأرض ، خير لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند الله