محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن قال : ظاهره العرية التي كانوا يعملون بها حين يطوفون بالبيت . وباطنه : الزنا . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الاثم وباطنه وذلك سره وعلانيته ، والاثم : كل ما عصى الله به من محارمه ، وقد يدخل في ذلك سر الزنا وعلانيته ، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن ، ونكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات ، والطواف بالبيت عريانا ، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان جميع ذلك إثما ، وكان الله عم بقوله : وذروا ظاهر الاثم وباطنه جميع ما ظهر من الاثم وجميع ما بطن ، لم يكن لاحد أن يخص من ذلك شيئا دون شئ إلا بحجة للعذر قاطعة . غير أنه لو جاز أن يوجه ذلك إلى الخصوص بغير برهان ، كان توجيهه إلى أنه عني بظاهر الاثم وباطنه في هذا الموضع : ما حرم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم ، وما بين الله تحريمه في قوله : حرمت عليكم الميتة . . . إلى آخر الآية ، أولى ، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى وهذه في سياقها ، ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك ، وأدخل فيها الامر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله ، فخرج الامر عاما بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الاثم . القول في تأويل قوله تعالى : إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون . يقول تعالى ذكره : إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه ويركبون معاصي الله ويأتون ما حرم الله ، سيجزون يقول : سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) * . يعني بقوله جل ثناؤه : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه : لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحد يدين لله بشرائع شرعها له في كتاب