محمد بن جرير الطبري

197

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقال آخرون : لباس التقوى في هذه المواضع : ستر العورة . ذكر من قال ذلك : 11237 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته ، ذلك لباس التقوى . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المكيين والكوفيين والبصريين : ولباس التقوى ذلك خير برفع ولباس . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : ولباس التقوى بنصب اللباس ، وهي قراءة بعض قراء الكوفيين . فمن نصب : ولباس فإنه نصبه عطفا على الريش بمعنى : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ، وأنزلنا لباس التقوى . وأما الرفع ، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به اللباس ، فكان بعض نحويي البصرة يقول : هو مرفوع على الابتداء ، وخبره في قوله : ذلك خير . وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال : هذا غلط ، لأنه لم يعد على اللباس في الجملة عائد ، فيكون اللباس إذا رفع على الابتداء وجعل ذلك خير خبرا . وقال بعض نحويي الكوفة : ولباس يرفع بقوله : ولباس التقوى خير ، ويجعل ذلك من نعته . ب خير لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل اللباس نعتا ، لا أنه عائد على اللباس من ذكره في قوله : ذلك خير فيكون خير مرفوعا بذلك وذلك به . فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام إذن : رفع لباس التقوى ، ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه خير لكم يا بني آدم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم ، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم فالبسوه . وأما تأويل من قرأه نصبا ، فإنه : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ، وريشا ، ولباس التقوى هذا الذي أنزلنا عليكم ، من اللباس الذي يواري سوآتكم ، والريش ، ولباس التقوى خير لكم من التعري والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت ، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش ، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعري من الثياب ، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء فخدعهما حتى جردهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصياه بأكلها . وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، أعني نصب قوله : ولباس التقوى لصحة معناه في التأويل على ما بينت ، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوأتنا والرياش توبيخا للمشركين الذين كانوا يتجردون في حال طوافهم بالبيت ، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال مع الايمان به واتباع طاعته ،