محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن كل هذه القراءات الثلاث التي ذكرناها سوى القراءة التي ذكرنا عن عطية قراءات معروفة مستفيضة القراءة بها في قراء الأمصار ، وهن متفقات المعاني غير مختلفات ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب فيه الصواب . وأما قوله : إلا ما اضطررتم إليه فإنه يعني تعالى ذكره : أن ما اضطررنا إليه من المطاعم المحرمة التي بين تحريمها لنا في غير حال الضرورة لنا حلال ما كنا إليه مضطرين ، حتى تزول الضرورة . كما : 10739 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إلا ما اضطررتم إليه من الميتة . القول في تأويل قوله تعالى : وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين . يقول تعالى ذكره : وإن كثيرا من الناس الذين يجادلونكم في أكل ما حرم الله عليكم أيها المؤمنون بالله من الميتة ليضلون أتباعهم بأهوائهم بغير علم منهم بصحة ما يقولون ، ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون ، إلا ركوبا منهم لأهوائهم ، واتباعا منهم لدواعي نفوسهم ، اعتداء وخلافا لأمر الله ونهيه ، وطاعة للشياطين . إن ربك هو أعلم بالمعتدين يقول : إن ربك يا محمد الذي أحل لك ما أحل وحرم عليك ما حرم ، هو أعلم بمن اعتدى حدوده فتجاوزها إلى خلافها ، وهو لهم بالمرصاد . واختلفت القراء في قراءة قوله : ليضلون فقرأته عامة أهل الكوفة : ليضلون بمعنى : أنهم يضلون غيرهم . وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين : ليضلون بمعنى : أنهم هم الذين يضلون عن الحق فيجورون عنه . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك ، قراءة من قرأ : وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بمعنى : أنهم يضلون غيرهم وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ( ص ) عن إضلالهم من تبعهم ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه ، فقال : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم ، ونهاهم من قبول