محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

إن كنتم بحجج الله التي أتتكم وإعلامه بإحلال ما أحللت لكم وتحريم ما حرمت عليكم من المطاعم والمآكل مصدقين ، ودعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم وتلبيس دينكم عليكم غرورا . وكان عطاء يقول في ذلك ما : 10736 - حدثنا به محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : قوله : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه قال : يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح ، وكل شئ يدل على ذكره يأمر به . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) * . اختلف أهل العلم بكلام العرب في تأويل قوله : وما لكم أن لا تأكلوا فقال بعض نحويي البصريين : معنى ذلك : وأي شئ لكم في أن لا تأكلوا ، قال : وذلك نظير قوله : وما لنا أن لا نقاتل يقول : أي شئ لنا في ترك القتال ؟ قال : ولو كانت لا زائدة لا يقع الفعل ، ولو كانت في معنى : وما لنا وكذا ، لكانت : وما لنا وأن لا نقاتل . وقال غيره : إنما دخلت لا للمنع ، لان تأويل ما لك ، وما منعك واحد ، ما منعك لا تفعل ذلك ، وما لك لا تفعل واحد ، فلذلك دخلت لا . قال : وهذا الموضع تكون فيه لا وتكون فيه أن مثل قوله : يبين الله لكم أن تضلوا وأن لا تضلوا : يمنعكم من الضلال بالبيان . وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال : معنى قوله : وما لكم في هذا الموضع : وأي شئ يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى المؤمنين بتحليل ما ذكر اسم الله عليه وإباحة أكل ما ذبح بدينه أو دين من كان يدين ببعض شرائع كتبه المعروفة ، وتحريم ما أهل به لغيره من الحيوان ، وزجرهم عن الاصغاء لما يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من زخرف القول في الميتة ، والمنخنقة ، والمتردية ، وسائر ما حرم الله من المطاعم . ثم قال : وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته ،