محمد بن جرير الطبري
158
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فإن قال قائل : أوليس قوله : أو هم قائلون خبرا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار ؟ قيل : بلى . فإن قال : أوليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدال على الوقت ؟ قيل : إن ذلك وإن كان كذلك ، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع استثقالا للجمع بين حرفي عطف ، إذ كان أو عندهم من حروف العطف ، وكذلك الواو ، فيقولون : لقيتني مملقا أو أنا مسافر ، بمعنى : أو وأنا مسافر ، فيحذفون الواو وهم مريدوها في الكلام لما وصفت . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) * . يقول تعالى ذكره : فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها إذ جاءهم بأسنا وسطوتنا بياتا أو هم قائلون ، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين وبربهم آثمين ولأمره ونهيه مخالفين . وعنى بقوله جل ثناؤه : دعواهم في هذا الموضع دعاءهم . وللدعوى في كلام العرب وجهان : أحدهما الدعاء والآخر الادعاء للحق . ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله تبارك وتعالى : فما زالت تلك دعواهم ومنه قول الشاعر : وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي * بدعواك من مذل بها فيهون وقد بينا فيما مضى قبل أن البأس والبأساء : الشدة ، بشواهد ذلك الدالة على صحته ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ( ص ) من قوله : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم . وقد تأول ذلك كذلك بعضهم . 11137 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن أبي سنان ، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد ، قال : قال عبد الله بن مسعود ، قال رسول الله ( ص ) : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم قال : قلت لعبد الملك : كيف يكون ذلك ؟ قال : فقرأ هذه الآية : فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا . . . الآية