محمد بن جرير الطبري
142
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له ، لأنه جل ثناؤه حكيم لا يضع شيئا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه ، ولا يجازي أحدا إلا بما يستحق من الجزاء . وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الظلم وضع الشئ في غير موضعه بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع . فإن قال قائل : فإن كان الامر كما ذكرت من أن معنى الحسنة في هذا الموضع الايمان بالله والاقرار بوحدانيته والتصديق برسوله ، والسيئة فيه الشرك به والتكذيب لرسوله ، فللايمان أمثال فيجازى بها المؤمن ، وإن كان له مثل فكيف يجازي به ، والايمان إنما هو عندك قول وعمل ، والجزاء من الله لعباده عليه الكرامة في الآخرة ، والانعام عليه بما أعد لأهل كرامته من النعيم في دار الخلود ، وذلك أعيان ترى وتعاين وتحس ويلتذ بها ، لا قول يسمع ولا كسب جوارح ؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه ، وإنما معناه : من جاء بالحسنة فوافى الله بها له مطيعا ، فإن له من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها . فإن قلت : فهل لقول لا إله إلا الله من الحسنات مثل ؟ قيل : له مثل هو غيره ، وليس له مثل هو قول لا إله إلا الله ، وذلك هو الذي وعد الله جل ثناؤه من أتاه به أن يجازيه عليه من الثواب بمثل عشرة أضعاف ما يستحقه قائله ، وكذلك ذلك فيمن جاء بالسيئة التي هي الشرك ، إلا أن لا يجازي صاحبها عليها إلا ما يستحقه عليها من غير إضعافه عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 11098 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، قال : لما نزلت : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها قال رجل من القوم فإن لا إله إلا الله حسنة ؟ قال : نعم ، أفضل الحسنات . 11099 - حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش والحسن بن عبيد الله ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن عبد الله : من جاء بالحسنة لا إله إلا الله . 11100 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا حفص ، قال : ثنا الأعمش والحسن بن عبيد الله ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن عبد الله ، قال : من جاء بالحسنة قال : من جاء بلا إله إلا الله ، قال : ومن جاء بالسيئة قال : الشرك .