محمد بن جرير الطبري

114

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقد بينا معنى القسط بشواهده فيما مضى وكرهنا إعادته . وأما قوله : لا نكلف نفسا إلا وسعها فإنه يقول : لا نكلف نفسا من إيفاء الكيل والوزن إلا ما يسعها ، فيحل لها ، ولا تحرج فيه . وذلك أن الله جل ثناؤه علم من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجب عليها له ، فأمر المعطي بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له ولم يكلفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها ، وأمر الذي له الحق بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه ، لما في النقصان عنه من ضيق نفسه ، فلم يكلف نفسا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق ، فلذلك قال : لا نكلف نفسا إلا وسعها . وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون . يعني تعالى ذكره بقوله : وإذا قلتم فاعدلوا : وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم ، فقولوا الحق بينهم ، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ذا قرابة لكم ، ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره ، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه . وبعهد الله أوفوا يقول : وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا وإيفاء ذلك أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم ، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله ( ص ) ، وذلك هو الوفاء بعهد الله . وأما قوله : ذلكم وصاكم به يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك : هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين ، هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا ووصاكم بها ربكم وأمركم بالعمل بها ، لا بالبحائر والسوائب والوصائل والحام وقتل الأولاد ووأد البنات واتباع خطوات الشيطان . لعلكم تذكرون يقول : أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين ووصاكم بها وعهد إليكم فيها ، لتتذكروا عواقب أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين ، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها ، لتتذكروا عواقب أمركم وخطأ ما أنتم عليه مقيمون ، فتنزجروا عنها وترتدعوا وتنيبوا إلى طاعة ربكم . وكان ابن عباس يقول : هذه الآيات هن الآيات المحكمات .