محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قراه ، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله عنوة من سائر الناس ، وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم أن ينصره الله عليه ، لان في دعائه عليه إعلاما منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له . وإذ كان ذلك كذلك ، ف من في موضع نصب ، لأنه منقطع عما قبله ، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها ، فهو نظير قول : لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر . وأما قوله : وكان الله سميعا عليما فإنه يعني : وكان الله سميعا لما يجهرون به من سوء القول لمن يجهرون له به ، وغير ذلك من أصواتكم وكلامكم ، عليما بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن تخفون له به ، فلا تجهرون له به ، محص كل ذلك عليكم حتى يجازيكم على ذلك كله جزاءكم المسئ بإساءته والمحسن بإحسانه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ) * . يعني بذلك جل ثناؤه إن تبدوا أيها الناس خيرا يقول : إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم ، فتظهروا ذلك شكرا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم ، أو تخفوه يقول : أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه ، أو تعفوا عن سوء يقول : أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته ، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به . فإن الله كان عفوا يقول : لم يزل ذا عفو عن خلقه ، يصفح لهم عمن عصاه وخالف أمره . قديرا يقول : ذا قدرة على الانتقام منهم . وإنما يعني بذلك : أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إياه . يقول : فاعفوا أنتم أيضا أيها الناس عمن أتى إليكم ظلما ، ولا تجهروا له بالسوء من القول وإن قدرتم على الإساءة إليه ، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم وأنتم تعصونه وتخالفون أمره . وفي قوله جل ثناؤه : إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا الدلالة الواضحة على أن تأويل قوله : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم بخلاف التأويل الذي تأوله زيد ابن أسلم في زعمه أن معناه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق ، إلا من أقام على نفاقه ، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول . وذلك أنه