محمد بن جرير الطبري
406
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وقال : لا تجعل يدك مغلولة يقول : لا تمسك يدك عن النفقة . واختلف أهل الجدل في تأويل قوله : بل يداه مبسوطتان فقال بعضهم : عني بذلك نعمتاه ، وقال : ذلك بمعنى : يد الله على خلقه ، وذلك نعمه عليهم وقال : إن العرب تقول : لك عندي يد ، يعنون بذلك : نعمة . وقال آخرون منهم : عنى بذلك القوة ، وقالوا : ذلك نظير قول الله تعالى ذكره : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي . وقال آخرون منهم : بل يده ملكه وقال : معنى قوله : وقالت اليهود يد الله مغلولة : ملكه وخزائنه . قالوا : وذلك كقول العرب للمملوك : هو ملك يمينه ، وفلان بيده عقدة نكاح فلانة : أي يملك ذلك ، وكقول الله تعالى ذكره : فقدموا بين يدي نجواكم صدقة . وقال آخرون منهم : بل يد الله صفة من صفاته هي يد ، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم . قالوا : وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه بيده . قالوا : ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم ، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته ومشيئته في خلقه تعمه وهو لجميعهم مالك . قالوا : وإذا كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده ، كان معلوما إنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، بطل قول من قال : معنى اليد من الله القوة والنعمة أو الملك في هذا الموضع . قالوا : وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون إن يد الله في قوله : وقالت اليهود يد الله مغلولة هي نعمته ، لقيل : بل يده مبسوطة ، ولم يقل : بل يداه ، لان نعمة الله لا تحصى بكثرة وبذلك جاء التنزيل ، يقول الله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها قالوا : ولو كانت نعمتين كانتا محصاتين .