محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فمن على قول ابن عباس هذا في موضع رفع ، لأنه وجهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء ، واستثنى المظلوم منه ، فكان معنى الكلام على قوله : لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول ، إلا المظلوم فلا حرج عليه في الجهر به . وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ في العربية ، وذلك أن من لا يجوز أن يكون رفعا عندهم بالجهر ، لأنها في صلة أن ، وأن لم ينله الجحد فلا يجوز العطف عليه من الخطأ عندهم أن يقال : لا يعجبني أن يقوم إلا زيد . وقد يحتمل أن تكون من نصبا على تأويل قول ابن عباس ، ويكون قوله : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول كلاما تاما ، ثم قيل : إلا من ظلم فلا حرج عليه ، فيكون من استثناء من الفعل ، وإن لم يكن قبل الاستثناء شئ ظاهر يستثنى منه ، كما قال جل ثناؤه : لست عليهم بمسيطر ، إلا من تولى وكفر وكقولهم : إني لأكره الخصومة والمراء ، اللهم إلا رجلا يريد الله بذلك . ولم يذكر قبله شئ من الأسماء . ومن على قول الحسن هذا نصب على أنه مستثنى من معنى الكلام ، لا من الاسم كما ذكرنا قبل في تأويل قوا ابن عباس إذا وجه من إلى النصب ، وكقول القائل كان من النصب كذا وكذا اللهم إلا أن فلانا جزاه الله خيرا فعل كذا وكذا . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ، إلا من ظلم فيخبر بما نيل منه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيع ، عن مجاهد ، قال : هو الرجل ينزل بالرجل ، فلا يحسن ضيافته ، فيخرج من عنده ، فيقول : أساء ضيافتي ولم يحسن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، إلا من ظلم قال : إلا من آثر ما قيل له . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيع ، عن مجاهد : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم قال : هو الضيف المحول رحله ، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول .