محمد بن جرير الطبري

359

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

في زمان عيسى وموعظة لهم ، يقول : وزجرا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال ، وتنبيها لهم عليه . والمتقون : هم الذين خافوا الله وحذروا عقابه ، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله ، وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل فأغني ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) * . . اختلفت القراء في قراءة قوله : وليحكم أهل الإنجيل فقرأ قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين : وليحكم بتسكين اللام على وجه الامر من الله لأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه . وكأن من قرأ ذلك كذلك أراد : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه . فيكون في الكلام محذوف ترك استغناء بما ذكر عما حذف . وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة : وليحكم أهل الإنجيل بكسر اللام من ليحكم ، بمعنى : كي يحكم أهل الإنجيل . وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وكي يحكم أهله بما فيه من حكم الله . والذي يتراءى في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، فبأي ذلك قرأ قارئ فمصيب فيه الصواب وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه ، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه ، فللعمل بما فيه أنزله ، وأمر بالعمل بما فيه أهله . فكذلك الإنجيل ، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى ، وأمر بالعمل به أهله . فسواء قرئ على وجه الامر بتسكين اللام أو قرئ على وجه الخبر بكسرها لاتفاق معنييهما . وأما ما ذكر عن أبي بن كعب من قراءته ذلك : وإن أحكم على وجه الامر ، فذلك مما لم يصح به النقل عنه ، ولو صح أيضا لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورة ، إذ كان معناها صحيحا ، وكان المتقدمون من أئمة القراء قد قرأوا بها . وإذا كان الامر في ذلك ما بينا ، فتأويل الكلام إذا قرئ بكسر اللام من ليحكم : وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل ، فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين ، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه ، فبدلوا حكمه وخالفوه ، فضلوا بخلافهم إياه ، إذا لم يحكموا بما