محمد بن جرير الطبري

314

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك . قال : فأنزل الله عز وجل : فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه . وقوله : فإن الله يتوب عليه يقول : فإن الله عز وجل يرجعه إلى ما يحب ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته . وقوله : إن الله غفور رحيم يقول : إن الله عز ذكره ساتر على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبه بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة وتركه فضيحته بها على رؤوس الاشهاد ، رحيم به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير ) * . . يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ( ص ) : ألم يعلم هؤلاء القائلون : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة الزاعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه ، أن الله مدبر ما في السماوات وما في الأرض ، ومصرفه وخالقه ، لا يمتنع شئ مما في واحدة منهما مما أراده لان كل ذلك ملكه وإليه أمره ، ولا نسب بينه وبين شئ مما فيهما ولا مما في واحدة منهما فيحابيه بسبب قرابته منه فينجيه من عذابه وهو به كافر ولأمره ونهيه مخالف ، أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه ولكنه يعذب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه ، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتوبة عليه من كفره ومعصيته ، فينقذه من الهلكة وينجيه من العقوبة . والله على كل شئ قدير يقول : والله على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه على معصيته وغفران ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الأمور كلها قادر ، لان الخلق خلقه والملك ملكه والعباد عباده . وخرج قوله : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض خطابا له ( ص ) ، والمعني به من ذكرت من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول الله ( ص ) وما حواليها . وقد بينا استعمال العرب نظير ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : *