محمد بن جرير الطبري

216

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) * . . يقول عز ذكره : وأخذنا من النصارى الميثاق على طاعتي وأداء فرائضي واتباع رسلي والتصديق بهم ، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذته عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود ، فبدلوا كذلك دينهم ونقضوا نقضهم وتركوا حظهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي وضيعوا أمري . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به : نسوا كتاب الله بين أظهرهم ، وعهد الله الذي عهده إليهم ، وأمر الله الذي أمرهم به . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قالت النصارى مثل ما قالت اليهود ، ونسوا حظا مما ذكروا به . القول في تأويل قوله تعالى : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . يعني تعالى ذكره بقوله : فأغرينا بينهم : حرشنا بينهم وألقينا ، كما نغزي الشئ بالشئ . يقول جل ثناؤه : لما ترك هؤلاء النصارى الذين أخذت ميثاقهم بالوفاء بعهدي حظهم ، مما عهدت إليهم من أمري ونهيي ، أغريت بينهم العداوة والبغضاء . ثم اختلف أهل التأويل في صفة إغراء الله بينهم العداوة والبغضاء ، فقال بعضهم : كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام بن حوشب ، عن إبراهيم النخعي في قوله : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء قال : هذه الأهواء المختلفة ، والتباغض فهو الاغراء . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب ، قال : سمعت النخعي يقول : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء قال : أغرى بعضهم ببعض بخصومات بالجدال في الدين .