محمد بن جرير الطبري

201

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه . قال معمر : وكان قتادة يذكر نحو هذا ، وذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ( ص ) ، فأرسلوا هذا الأعرابي . وتأول : اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم . . . الآية . وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك ، قول من قال : عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله ، التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم محمدا ( ص ) ، مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم نبي الله ( ص ) في الدية التي كان تحملها عن قتيلي عمرو بن أمية . وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك ، لان الله عقب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها وخيانتها ربها وأنبياءها . ثم أمر نبيه ( ص ) بالعفو عنهم والصفح عن عظيم جهلهم ، فكان معلوما بذلك أنه ( ص ) لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عقيب قوله : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ومن غيره كان يبسط الأيدي إليهم ، لأنه لو كان الذين هموا ببسط الأيدي إليهم غيرهم لكان حريا أن يكون الامر بالعفو والصفح عنهم لا عمن لم يجر لهم بذلك ذكر ، ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر ، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك دون ما خالفه . القول في تأويل قوله تعالى : واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون . يعني جل ثناؤه : واحذروا الله أيها المؤمنون أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم أن تنقضوا الميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقاب الذي لا قبل لكم به . وعلى الله فليتوكل المؤمنون يقول : وإلى الله فليلق أزمة أمورهم ، ويستسلم لقضائه ، ويثق بنصرته وعونه ، المقرون بوحدانية الله ورسالة رسوله ، العاملون بأمره ونهيه ، فإن ذلك من كمال دينهم وتمام إيمانهم ، وأنهم إذا فعلوا ذلك كلاهم ورعاهم وحفظهم ممن أرادهم بسوء ، كما حفظكم ودافع عنكم أيها المؤمنون اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليكم ،