محمد بن جرير الطبري

171

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه ، ولم يحد ذلك بحد لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه . وإذ كان ذلك كذلك ، فما مسح به المتوضئ من رأسه فاستحق بمسحه ذلك أن يقال : مسح برأسه ، فقد أدى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلى صلاته . فإن قال لنا قائل : فإن الله قد قال في التيمم : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم أفيجزئ المسح ببعض الوجه واليدين في التيمم ؟ قيل له : كل ما مسح من ذلك بالتراب فيما تنازعت فيه العلماء ، فقال بعضهم : يجزيه ذلك من التيمم ، وقال بعضهم : لا يجزئه ، فهو مجزئه ، لدخوله في اسم الماسحين به . وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه ، فمسلم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيها ( ص ) ، ولا حجة لاحد علينا في ذلك إذ كان من قولنا : إن ما جاء في آي الكتاب عاما في معنى فالواجب الحكم به على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له ، فإذا خص منه منه شئ كان ما خص منه خارجا من ظاهره ، وحكم سائره على العموم . وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . والرأس الذي أمر الله عز وجل بالمسح به بقوله : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين هو منابت شعر الرأس دون ما جاوز ذلك إلى القفا مما استدبر ، ودون ما انحدر عن ذلك مما استقبل من قبل وجهه إلى الجبهة . القول في تأويل قوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق : وأرجلكم إلى الكعبين نصبا . فتأويله : إذا قمتم إلى الصلاة ، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وأرجلكم إلى الكعبين ، وامسحوا برءوسكم . وإذا قرئ كذلك كان من المؤخر الذي معناه التقديم ، وتكون الأرجل منصوبة ، عطفا على الأيدي . وتأول قارئو ذلك كذلك ، أن الله جل ثناؤه إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها . ذكر من قال : عنى الله بقوله : وأرجلكم إلى الكعبين الغسل : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا خالد الحذاء ، عن أبي قلابة : أن رجلا صلى وعلى ظهر قدمه موضع ظفر ، فلما قضى صلاته ، قال له عمر : أعد وضوءك وصلاتك .