محمد بن جرير الطبري
167
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
العينين في مؤنة إيصال الماء إليهما عند الوضوء ما بطن من الانف والفم وشعر اللحية والصدغين والشاربين ، لان كل ذلك لا يصل الماء إليه إلا بعلاج لايصال الماء إليه نحو كلفة علاج الحدقتين لايصال الماء إليهما أو أشد . وإذا كان ذلك كذلك ، كان بينا أن غسل من غسل من الصحابة والتابعين ما تحت منابت شعر اللحية والعارضين والشاربين وما بطن من الانف والفم ، إنما كان إيثارا منه لأشق الامرين عليه من غسل ذلك وترك غسله ، كما آثر ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبه الماء في ذلك ، لا على أن ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا . فأما من ظن أن ذلك من فعلهم كان على وجه الايجاب والفرض ، فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجهم وأغفل سبيل القياس ، لان القياس هو ما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك بالأصل المجمع عليه من حكم العينين ، وأن لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله ( ص ) أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه ، وتارك المضمضة والاستنشاق إعادة صلاته إذا صلى بطهره ذلك ، ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل . فإن ظن ظان أن في الاخبار التي رويت عن رسول الله ( ص ) ، أنه قال : إذا توضأ أحدكم فليستنثر دليلا على وجوب الاستنثار ، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غير فرض واجب يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله ، ما يغني عن إكثار القول فيه . وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما أو غسل ما أقبل منهما على الوجه ، غير مفسد صلاة من صلى بطهره الذي ترك فيه غسلهما ، مع إجماعهم جميعا على أنه لو ترك غسل شئ مما يجب عليه غسله من وجهه في وضوئه أن صلاته لا تجزئه بطهوره ذلك ، ما ينبئ عن القول في ذلك مما قاله أصحاب رسول الله ( ص ) الذي ذكرنا قولهم إنهما ليسا من الوجه دون ما قاله الشعبي . القول في تأويل قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق . اختلف أهل التأويل في المرافق ، هل هي من اليد الواجب غسلها أم لا ؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب . فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله : فاغسلوا