محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يؤمنون إلا قليلا لما ترك القوم أمر الله ، وقتلوا رسله ، وكفروا بآياته ، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم . طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم . وقال آخرون : بل هو مواصل لما قبله قالوا : ومعنى الكلام : فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، فبنقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وبقتلهم الأنبياء بغير حق وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة . قالوا : فتبع الكلام بعضه بعضا ، ومعناه مردود إلى أوله . وتفسير ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما فسر به تعالى ذكره من نقضهم الميثاق ، وقتلهم الأنبياء ، وسائر ما بين من أمرهم الذي ظلموا فيه أنفسهم . والصواب من القول في ذلك أن قوله : فبما نقضهم ميثاقهم وما بعده منفصل معناه من معنى ما قبله وأن معنى الكلام : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ، وبكذا وبكذا ، لعناهم وغضبنا عليهم ، فترك ذكر لعناهم لدلالة قوله : بل طبع الله عليها بكفرهم على معنى ذلك ، إذ كان من طبع على قلبه فقد لعن وسخط عليه . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لان الذين أخذتهم الصاعقة إنما كانوا على عهد موسى والذين قتلوا الأنبياء والذين رموا مريم بالبهتان العظيم ، وقالوا : قتلنا المسيح ، كانوا بعد موسى بدهر طويل ، ولم يدرك الذين رموا مريم بالبهتان العظيم زمان موسى ولا من صعق من قومه . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الذين أخذتهم الصاعقة لم تأخذهم عقوبة لرميهم مريم بالبهتان العظيم ، ولا لقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين أن القوم الذين قالوا هذه المقالة ، غير الذين عوقبوا بالصاعقة . وإذا كان ذلك كذلك ، كان بينا انفصال معنى قوله : فبما نقضهم ميثاقهم من معنى قوله : فأخذتهم الصاعقة بظلمهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) * . يعني بذلك جل ثناؤه : وبكفر هؤلاء الذين وصف صفتهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما يعني : بفريتهم عليها ، ورميهم إياها بالزنا ، وهو البهتان العظيم لأنهم رموها بذلك وهي مما رموها به بغير ثبت ولا برهان بريئة ، فبهتوها بالباطل من القول . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ،