محمد بن جرير الطبري
155
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والندب والإباحة والاطلاق ، وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه ، كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقية مدعية . وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه ( ص ) ولا على عباده فرض الوضوء لكل صلاة ، ثم نسخ ذلك ، ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما قلنا من أن فعل النبي ( ص ) ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندب إليه عباده المؤمنين بقوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق . . . الآية ، وأن تركه في ذلك الحال التي تركه كان ترخيصا لامته وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم ، إلا من حدث يوجب نقض الطهر . وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثني وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن عمرو بن عامر ، عن أنس : أن النبي ( ص ) أتي بقعب صغير ، فتوضأ . قال : قلت لأنس : أكان رسول الله ( ص ) يتوضأ عند كل صلاة ؟ قال : نعم . قلت : فأنتم ؟ قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد . حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي ، ثنا عيسى بن يونس ، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن أبي غطيف ، قال : صليت مع ابن عمر الظهر ، فأتى مجلسا في داره ، فجلس وجلست معه ، فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ ، ثم خرج إلى الصلاة ، ثم رجع إلى مجلسه فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ ، فقلت : أسنة ما أراك تصنع ؟ قال : لا ، وإن كان وضوئي لصلاة الصبح كاف للصلوات كلها ما لم أحدث ، ولكني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ، فأنا رغبت في ذلك .