محمد بن جرير الطبري

134

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ينكر ذلك ويقول : لم تدخل من إلا لمعنى مفهوم لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به ، وذلك أنها دالة على التبعيض . وكان يقول : معنى قولهم : قد كان من مطر ، وكان من حديث : هل كان من مطر مطر عندكم ، وهل من حديث حديث عندكم . ويقول : معنى ويكفر عنكم من سيئاتكم أي ويكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاء ويريد ، وفي قوله : وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيجيز حذف من من برد ولا يجز حذفها من الجبال ، ويتأول معنى ذلك : وينزل من السماء أمثال جبال برد ، ثم أدخلت من في البرد ، لان البرد مفسر عنده عن الأمثال : أعني : أمثال الجبال ، وقد أقيمت الجبال مقام الأمثال ، والجبال وهي جبال برد ، فلا يجيز حذف من من الجبال ، لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد ، وأجاز حذف من من البرد ، لان البرد مفسر عن الأمثال ، كما تقول : عندي رطلان زيتا ، وعندي رطلان من زيت ، وليس عندك الرطل وإنما عندك المقدار ، ف من تدخل في المفسر وتخرج منه . وكذلك عند قائل هذا القول : من السماء ، من أمثال جبال ، وليس بجبال . وقال : وإن كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا ، ثم حذف الجبال الثانية والجبال الأول في السماء جاز ، تقول : أكلت من الطعام ، تريد : أكلت من الطعام طعاما ، ثم تحذف الطعام ولا تسقط من . والصواب من القول في ذلك ، أن من لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم ، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام عليها ، فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها ، فذلك قد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صح من الكلام . ومعنى دخولها في قوله : فكلوا مما أمسكن عليكم للتبعيض إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه وحرم عليهم فرثه ودمه ، فقال جل ثناؤه : فكلوا مما أمسكن عليكم جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك مما لم أطيبه لكم ، فذلك معنى دخول من في ذلك . وأما قوله : ويكفر عنكم من سيئاتكم فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وأما دخولها في قوله : وينزل من السماء من جبال فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى :