محمد بن جرير الطبري

123

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الآية : قل أحل لكم أيها الناس في حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبات وصيد ما علمتموه الصيد من كواسب السباع والطير . فقوله : مكلبين صفة للقانص ، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه ، وهو نظير قول القائل يخاطب قوما : أحل لكم الطيبات ، وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك إخبار القوم أن الله جل ذكره أحل لهم في حال كونهم أهل إيمان الطيبات ، وصيد الجوارح التي أعلمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه بها ، فكذلك قوله : أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين لذلك نظيره في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها ، لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب . القول في تأويل قوله تعالى : تعلمونهن مما علمكم الله . يعني جل ثناؤه بقوله : تعلمونهن : تؤدبون الجوارح ، فتعلمونهن طلب الصيد لكم مما علمكم الله ، يعني بذلك : من التأديب الذي أدبكم الله والعلم الذي علمكم . وقد قال بعض أهل التأويل : معنى قوله : مما علمكم الله : كما علمكم الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : تعلمونهن مما علمكم الله يقول : تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله . ولسنا نعرف في كلام العرب من بمعنى الكاف ، لان من تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض ، والكاف بمعنى التشبيه . وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره إذا تقارب معنياهما ، فأما إذا اختلفت معانيهما فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عقيب الآخر ، وكتاب الله وتنزيله أحرى الكلام أن يجنب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نزل بلسانه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا إسماعيل بن صبيح ، قال : ثنا أبو هانئ ، عن أبي بشر ، قال : ثنا عامر ، أن عدي بن حاتم الطائي ، قال : أتى رجل رسول الله ( ص ) يسأله عن صيد الكلاب ، فلم يدر ما يقول له ، حتى نزلت هذه الآية : تعلمونهن مما علمكم الله .