محمد بن جرير الطبري
115
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
القول في تأويل قوله تعالى : غير متجانف لاثم . يعني بذلك جل ثناؤه : فمن اضطر في مخمصة إلى أكل ما حرمت عليه منكم أيها المؤمنون من الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية . غير متجانف لاثم يقول : لا متجانفا لاثم ، فلذلك نصب غير لخروجها من الاسم الذي في قوله : فمن اضطر وبمعنى إلا ، فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبا المتجانف لو جاء الكلام : إلا متجانفا . وأما المتجانف للإثم ، فإنه المتمايل له ، المنحرف إليه ، وهو في هذا الموضع مراد به المتعمد له القاصد إليه ، من جنف القوم علي إذا مالوا ، وكل أعوج فهو أجنف عند العرب وقد بينا معنى الجنف بشواهده في قوله : فمن خاف من موص جنفا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما تجانف آكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين بهذه الآية للإثم في حال أكله ، فهو تعمده الأكل لغير دفع الضرورة النازلة به ، ولكن لمعصية الله وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم يعني : إلى ما حرم مما سمى في صدر هذه الآية : غير متجانف لاثم يقول : غير متعمد لاثم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : غير متجانف لاثم : غير متعمد لاثم ، قال : إلى حرم الله ما حرم ، رخص للمضطر إذا كان غير متعمد لاثم أن يأكله من جهد فمن بغى أو عدا أو خرج في معصية الله ، فإنه محرم عليه أن يأكله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : غير متجانف لاثم : أي غير معترض لمعصية . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : غير متجانف لاثم : غير متعمد لاثم ، غير متعرض .