محمد بن جرير الطبري
109
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وهو واقف بعرفات ، وقد أطاف به الناس ، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم ، واضمحل الشرك ، ولم يطف حول البيت عريان ، فأنزل الله : اليوم أكملت لكم دينكم . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، بنحوه . القول في تأويل قوله تعالى : ورضيت لكم الاسلام دينا . يعني بذلك جل ثناؤه : ورضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي ، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه دينا يعني بذلك : طاعة منكم لي . فإن قال قائل : أو ما كان الله راضيا الاسلام لعباده ، إلا يوم أنزل هذه الآية ؟ قيل : لم يزل الله راضيا لخلقه الاسلام دينا ، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمدا ( ص ) وأصحابه في درجات ومراتبه درجة بعد درجة ومرتبة بعد مرتبة وحالا بعد حال ، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه وبلغ بهم أقصى درجاته الاسلام ومراتبه ، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية : ورضيت لكم الاسلام دينا بالصفة التي هو بها اليوم ، والحال التي أنتم عليها اليوم منه دينا فالزموه ولا تفارقوه . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الايمان فيبشر أصحابه وأهله ، ويعدهم في الخير حتى يجئ الاسلام . فيقول : رب أنت السلام وأنا الاسلام ، فيقول : إياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجزي . وأحسب أن قتادة وجه معنى الايمان بهذا الخبر إلى معنى التصديق والاقرار باللسان ، لان ذلك معنى الايمان عند العرب ، ووجه معنى الاسلام إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد ، وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى ، فلذلك قيل للاسلام : إياك اليوم أقبل ، وبك اليوم أجزي . ذكر من قال : نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله ( ص ) : حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع ، قالا : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : قالت اليهود لعمر : إنكم تقرأون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدا . فقال عمر : إني لأعلم حين أنزلت ، وأين أنزلت ، وأين