محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
رسول الله ( ص ) : أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا ، فطال سقمه منه ، فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل ، وأحب الشراب إليه ألبانها ؟ فقالوا : اللهم نعم . وأما قوله : * ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) * فإن معناه : قل يا محمد للزاعمين من اليهود أن الله حرم عليهم في التوراة العروق ولحوم الإبل وألبانها ، ائتوا بالتوراة فاتلوها ! يقول : قل لهم : جيئوا بالتوراة فاتلوها ، حتى يتبين لمن خفي عليه كذبهم وقيلهم الباطل على الله من أمرهم ، أن ذلك ليس مما أنزلته في التوراة * ( إن كنتم صادقين ) * ، يقول : إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل تحريم ذلك في التوراة ، فأتونا بها ، فاتلوا تحريم ذلك علينا منها . وإنما ذلك خبر من الله عن كذبهم ، لأنهم لا يجيئون بذلك أبدا على صحته ، فأعلم الله بكذبهم عليه نبيه ( ص ) ، وجعل إعلامه إياه ذلك حجة له عليهم ، لان ذلك إذا كان يخفى على كثير من أهل ملتهم ، فمحمد ( ص ) وهو أمي من غير ملتهم ، لولا أن الله أعلمه ذلك بوحي من عنده ، كان أحرى أن لا يعلمه . فكان في ذلك له ( ص ) من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله ( ص ) إليهم ، لان ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفي علومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم ، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبي أو رسول ، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) * يعني جل ثناؤه بذلك : فمن كذب على الله منا ومنكم من بعد مجيئكم بالتوراة ، وتلاوتكم إياها ، وعدمكم ما ادعيتم من تحريم الله العروق ولحوم الإبل وألبانها فيها ، * ( فأولئك هم الظالمون ) * يعني : فمن فعل ذلك منهم * ( فأولئك ) * يعني فهؤلاء الذين يفعلون ذلك ، * ( هم الظالمون ) * يعني فهم الكافرون القائلون على الله الباطل . كما : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن زكريا ، عن الشعبي : * ( فأولئك هم الظالمون ) * قال : نزلت في اليهود . القول في تأويل قوله تعالى :