محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
اختلفوا فيه ، وعلموا الحق فيه ، فتعمدوا خلافه ، وخالفوا أمر الله ، ونقضوا عهده وميثاقه ، جراءة على الله ، وأولئك لهم : يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا ، واختلفوا من أهل الكتاب ، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم . يقول جل ثناؤه : فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم ، ولا تفعلوا فعلهم ، وتستنوا في دينكم بسنتهم ، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : * ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات ) * قال : هم أهل الكتاب ، نهى الله أهل الاسلام أن يتفرقوا ويختلفوا ، كما تفرق واختلف أهل الكتاب ، قال الله عز وجل : * ( وأولئك لهم عذاب عظيم ) * . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : * ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) * ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة ، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد ، عن الحسن في قوله : * ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) * قال هم اليهود والنصارى . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ئ وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) * يعني بذلك جل ثناؤه : أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسود وجوه . وأما قوله : * ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) * فإن معناه : فأما الذين اسودت وجوههم ، فيقال لهم : * ( أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * . ولا بد لأما من جواب بالفاء ، فلما أسقط الجواب سقطت الفاء معه ، وإنما جاز ترك ذكر فيقال لدلالة ما ذكر من الكلام عليه . وأما معنى قوله جل ثناؤه : * ( أكفرتم بعد إيمانكم ) *