محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أعداء : أي بشرككم ، يقتل بعضكم بعضا ، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله ، فألف الله بالاسلام بين قلوبكم ، فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الاسلام واجتماع كلمتكم عليه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : * ( واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ) * كنتم تذابحون فيها ، يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالاسلام ، فآخى به بينكم ، وألف به بينكم . أما والله الذي لا إله إلا هو ، إن الألفة لرحمة ، وإن الفرقة لعذاب ! حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : * ( واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء ) * : يقتل بعضكم بعضا ، ويأكل شديدكم ضعيفكم ، حتى جاء الله بالاسلام ، فألف به بينكم ، وجمع جمعكم عليه ، وجعلكم عليه إخوانا . فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الاسلام واجتماع كلمتهم عليها ، والعداوة التي كانت بينهم ، التي قال الله عز وجل : * ( إذ كنتم أعداء ) * فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الاسلام ، يزعم العلماء بأيام العرب ، أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة ، حتى قام الاسلام وهم على ذلك ، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم ، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم . ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالاسلام ، وألف بينهم برسوله محمد ( ص ) . فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا ، وخوف بعضهم من بعض ، وما صاروا إليه بالاسلام واتباع الرسول ( ص ) والايمان به ، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع ، وأمن بعضهم من بعض ، ومصير بعضهم لبعض إخوانا . وكان سبب ذلك ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، قال : ثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني ، عن أشياخ من قومه ، قالوا : قدم سويد بن صامت أخو بني