محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ولمن هو على سبيل الحق عوجا ، يقول : ضلالا عن الحق وزيغا عن الاستقامة على الهدى والمحجة . والعوج بكسر أوله : الأود في الدين والكلام ، والعوج بفتح أوله : الميل في الحائط والقناة وكل شئ منتصب قائم . وأما قوله : * ( وأنتم شهداء ) * فإنه يعني : شهداء على أن الذي تصدون عنه من السبيل حق تعلمونه وتجدونه في كتبكم . * ( وما الله بغافل عما تعلمون ) * يقول : ليس الله بغافل عن أعمالكم التي تعلمونها مما لا يرضاه لعباده ، وغير ذلك من أعمالكم حتى يعاجلكم بالعقوبة عليها معجلة ، أو يؤخر ذلك لكم ، حتى تلقوه ، فيجازيكم عليها . وقد ذكر أن هاتين الآيتين من قوله : * ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) * والآيات بعدهما إلى قوله : * ( فأولئك لهم عذاب عظيم ) * نزلت في رجل من اليهود حاول الاغراء بين الحيين من الأوس والخزرج بعد الاسلام ، ليراجعوا ما كانوا عليه في جاهليتهم من العداوة والبغضاء ، فعنفه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخه عليه ، ووعظ أيضا أصحاب رسول الله ( ص ) ، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف ، وأمرهم بالاجتماع والائتلاف . ذكر الرواية بذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني الثقة ، عن زيد بن أسلم ، قال : مر شاس بن قيس ، وكان شيخا قد عسا في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول الله ( ص ) من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه . فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الاسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : قد اجتمع ملا بني قيلة بهذه البلاد ، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فأمر فتى شابا من اليهود وكان معه ، فقال : اعمد إليهم ، فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الاشعار . وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج . ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن