محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم * ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) * يعني بذلك جل ثناؤه : أنه لم يكن حرم على بني إسرائيل - وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن - شيئا من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة ، بل كان ذلك كله لهم حلالا ، إلا ما كان يعقوب حرمه على نفسه ، فإن ولده حرموه استنانا بأبيهم يعقوب ، من غير تحريم الله ذلك عليهم في وحي ولا تنزيل ولا على لسان رسول له إليهم من قبل نزول التوراة . ثم اختلف أهل التأويل في تحريم ذلك عليهم ، هل نزل في التوراة أم لا ؟ فقال بعضهم : لما أنزل الله عز وجل التوراة ، حرم عليهم من ذلك ما كانوا يحرمونه قبل نزولها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : * ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) * قالت اليهود : إنما نحرم ما حرم إسرائيل على نفسه ، وإنما حرم إسرائيل العروق ، كان يأخذه عرق النسا ، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار ، فحلف لئن الله عافاه منه لا يأكل عرقا أبدا ، فحرمه الله عليهم ثم قال : * ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) * : ما حرم هذا عليكم غيري ببغيكم ، فذلك قوله : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * . فتأويل الآية على هذا القول : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، فإن الله حرم عليهم من ذلك ما كان إسرائيل حرمه على