محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقد قيل : إن الهاء والميم في قوله : * ( من بعدهم ) * من ذكر موسى وعيسى : ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : * ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ) * يقول : من بعد موسى وعيسى . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : * ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ) * يقول : من بعد موسى وعيسى . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) * . يعني تعالى ذكره بذلك : ولكن اختلف هؤلاء الذين من بعد الرسل لما لم يشأ الله منهم تعالى ذكره أن لا يقتتلوا ، فاقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات من عند ربهم بتحريم الاقتتال والاختلاف ، وبعد ثبوت الحجة عليهم بوحدانية الله ورسالة رسله ووحي كتابه ، فكفر بالله وبآياته بعضهم ، وآمن بذلك بعضهم . فأخبر تعالى ذكره : أنهم أتوا ما أتوا من الكفر والمعاصي بعد علمهم بقيام الحجة عليهم بأنهم على خطأ ، تعمدا منهم للكفر بالله وآياته . ثم قال تعالى ذكره لعباده : * ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) * يقول : ولو أراد الله أن يحجزهم بعصمته وتوفيقه إياهم عن معصيته فلا يقتتلوا ما اقتتلوا ولا اختلفوا ، * ( ولكن الله يفعل ما يريد ) * بأن يوفق هذا لطاعته والايمان به فيؤمن به ويطيعه ، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) * يعني تعالى ذكره بذلك : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا في سبيل الله مما رزقناكم من أموالكم ، وتصدقوا منها ، وآتوا منها الحقوق التي فرضناها عليكم . وكذلك كان ابن جريج يقول فيما بلغنا عنه .