محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
صحيح الفطرة ، فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما ، وصح أن يدل بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك . فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم ، فيدل بذكر الخبر عن العلم على الرؤية لان المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ، ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه ، كما قد قدمنا البيان ، مع أنه غير موجود في شئ من كلام العرب أن يقال : علمت كذا بمعنى رأيته ، وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد ( ص ) من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها ، فموجود في كلامها رأيت بمعنى علمت ، وغير موجود في كلامها علمت بمعنى رأيت ، فيجوز توجيه إلا لنعلم إلى معنى : إلا لنرى . وقال آخرون : إنما قيل : إلا لنعلم من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشئ قبل كونه ، وقالوا إذ قيل لهم : إن قوما من أهل القبلة سيرتدون على أعقابهم ، إذا حولت قبلة محمد ( ص إلى الكعبة : ذلك غير كائن ، أو قالوا : ذلك باطل . فلما فعل الله ذلك ، وحول القبلة ، وكفر من أجل ذلك من كفر ، قال الله جل ثناؤه : ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه ، أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد . فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله : إلا لنعلم إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وهذا وإن كان وجها له مخرج ، فبعيد من المفهوم . وقال آخرون : إنما قيل : إلا لنعلم وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال ، على وجه الترفق بعباده ، واستمالتهم إلى طاعته ، كما قال جل ثناؤه : قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وقد عله أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين ، ولكنه رفق بهم في الخطاب ، فلم يقل : أنا على هدى ، وأنتم على ضلال . فكذلك قوله : إلا لنعلم معناه عندهم : إلا لتعلموا أنتم كنتم جهالا به قبل أن يكون فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم . وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحق . وأما قوله : من يتبع الرسول فإنه يعني : الذي يتبع محمدا ( ص ) فيما يأمره الله به ، فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد ( ص ) .