محمد بن جرير الطبري
84
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يكون قوله : لكن هو الله ربي أصله : لكن أنا هو الله ربي كما قال الشاعر : وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي يريد : لكن أنا إياك لا أقلي فحذف الهمزة من أنا ، فالتقت نون أنا ونون لكن وهي ساكنة ، فأدغمت في نون أنا ، فصارتا نونا مشددة ، فكذلك الله ، أصله الاله ، أسقطت الهمزة ، التي هي فاء الاسم ، فالتقت اللام التي هي عين الاسم ، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة ، وهي ساكنة ، فأدغمت في الأخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله : لكن هو الله ربي . القول في تأويل قوله تعالى : الرحمن الرحيم . قال أبو جعفر : أما الرحمن ، فهو فعلان ، من رحم ، والرحيم فعيل منه . والعرب كثيرا ما تبنى الأسماء من فعل يفعل على فعلان ، كقولهم من غضب غضبان ، ومن سكر سكران ، ومن عطش عطشان ، فكذلك قولهم رحمن من رحم ، لان فعل منه : رحم يرحم . وقيل رحيم وإن كانت عين فعل منها مكسورة ، لأنه مدح . ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء إذا كان فيها مدح أو ذم على فعيل ، وإن كانت عين فعل منها مكسورة أو مفتوحة ، كما قالوا من علم : عالم وعليم ، ومن قدر : قادر وقدير . وليس ذلك منها بناء على أفعالها لان البناء من فعل يفعل وفعل يفعل فاعل . فلو كان الرحمن والرحيم خارجين على بناء أفعالهما لكانت صورتهما الراحم . فإن قال قائل : فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجه تكرير ذلك وأحدهما مؤد عن معنى الآخر ؟ قيل له : ليس الامر في ذلك على ما ظننت ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها . فإن قال : وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى ؟ قيل : أما من جهة العربية ، فلا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب أن قول القائل الرحمن عن أبنية الأسماء من فعل يفعل أشد عدولا من قوله الرحيم . ولا خلاف مع ذلك بينهم أن كل اسم كان له أصل في فعل ويفعل ، ثم كان عن أصله من فعل ويفعل أشد عدولا ، أن الموصوف به مفضل على