محمد بن جرير الطبري
785
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والأصحاب ، وأقيمت الملة مقامهم ، إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام ، كما قال الشاعر : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يعني صوت عناق ، فتكون الملة حينئذ منصوبة عطفا في الاعراب على اليهود والنصارى . وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الاغراء ، باتباع ملة إبراهيم . وقرأ بعض القراء ذلك رفعا ، فتأويله على قراءة من قرأ رفعا : بل الهدى ملة إبراهيم . القول في تأويل قوله تعالى : بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . والملة : الدين . وأما الحنيف : فإنه المستقيم من كل شئ . وقد قيل : إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنما قيل له أحنف نظرا له إلى السلامة ، كما قيل للمهلكة من البلاد : المفازة ، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة وكما قيل للديغ : السليم ، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك ، وما أشبه ذلك . فمعنى الكلام إذا : قل يا محمد بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما . فيكون الحنيف حينئذ حالا من إبراهيم . وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : الحنيف : الحاج . وقيل : إنما سمي دين إبراهيم الاسلام الحنيفية ، لأنه أول إمام لزم العباد الذين كانوا في عصره والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة اتباعه في مناسك الحج ، والائتمام به فيه . قالوا : فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته ، فهو حنيف مسلم على دين إبراهيم . ذكر من قال ذلك : 1727 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا