محمد بن جرير الطبري

76

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أخلاق سائر جنسه وأفعاله وبعده من الخير . وقد قيل إنه أخذ من قول القائل : شطنت داري من دارك ، يريد بذلك بعدت . ومن ذلك قول النابغة بني ذبيان : نأت بسعاد عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد بها رهين والنوى : الوجه الذي نوته وقصدته ، والشطون : البعد . فكأن الشيطان على هذا التأويل : فيعال من " شطن " . ومما يدل على أن ذلك كذلك قول أمية بن أبي الصلت : أيما شاطن عصاه عكاه * ثم يلقى في السجن والأكبال ( 1 ) ولو كان " فعلان " ، من شاط يشيط ، لقال : أيما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطن ، لأنه من شطن يشطن فهو شاطن . تأويل قوله : ( الرجيم ) . وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كف خضيب ، لحية دهين ، ورجل لعين ، يريد بذلك : مخضوبة ، ومدهونة ، وملعون . وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم . وكل مشتوم بقول ردئ أو سب فهو مرجوم . وأصل الرجم : الرمي بقول كان أو بفعل . ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه : ( لئن لم تنته لأرجمنك ) ( 2 ) . وقد يجوز أن يكون قيل الشيطان رجيم ، لان الله جل ثناؤه طرده من سماواته ورجمه بالشهب الثواقب ( 3 ) . وقد روي عن ابن عباس ، أن أول ما نزل جبريل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، علمه الاستعاذة . 113 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد ، قال : يا محمد ! قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم . ثم قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم . ثم قال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( 4 ) قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل . فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه .

--> ( 1 ) عكا الشئ عكوا : شده ، ويقال : عكا فلانا في الحديد . والأكبال : جميع كبل ، وهو القيد من حديد . ( 2 ) سورة مريم ، الآية : 46 . ( 3 ) الشهب الثواقب : المضيئة المشتعلة . ( 4 ) سورة العلق ، الآية : 1 .