محمد بن جرير الطبري

687

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وسبحت المدينة لا تلمها * رأت قمرا بسوقهم نهارا وإنما أراد : وسبح أهل المدينة . وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم ، ليطهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود ، وركون من كان ركن منهم إليهم ، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله ( ص ) بقوله : راعنا إذ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب ، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام ، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله . القول في تأويل قوله تعالى : إن الله بما تعملون بصير . وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية ، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شئ ، فيجزيهم بالاحسان جزاءه وبالإساءة مثلها . وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر ، فإن فيه وعدا ووعيدا ، وأمرا وزجرا وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته ، إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه ، كما قال : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله وليحذروا معصيته ، إذ كان مطلعا على راكبها بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها . وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه ، وما وعد عليه فمأمور به . وأما قوله : بصير فإنه مبصر صرف إلى بصير ، كما صرف مبدع إلى بديع ، ومؤلم إلى أليم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) * يعني جل ثناؤه بقوله : وقالوا وقالت اليهود والنصارى : لن يدخل الجنة . فإن قال قائل : وكيف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين ، واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب ، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه ، وإنما عنى به : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا النصارى . ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه جمع الفريقان في الخبر عنهما ، فقيل : قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى الآية ، أي قالت اليهود : لن