محمد بن جرير الطبري
683
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
كان بذلك المعنى فلا بد من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه ، ولا دلالة تدل في قوله : ود كثير من أهل الكتاب أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة ، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال . القول في تأويل قوله تعالى : حسدا من عند أنفسهم . ويعني جل ثناؤه بقوله : حسدا من عند أنفسهم أن كثيرا من أهل الكتاب يودون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم من الردة عن إيمانهم إلى الكفر حسدا منهم وبغيا عليهم . والحسد إذا منصوب على غير النعت للكفار ، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر ، كقول القائل لغيره : تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك . فيكون الحسن مصدرا من معنى قوله : تمنيت من السوء لان في قوله تمنيت لك ذلك ، معنى حسدتك على ذلك . فعلى هذا نصب الحسد ، لان في قوله : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا يعني : حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق ، ووهب لكم من الرشاد لدينه والايمان برسوله ، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رؤوفا بكم رحيما ، ولم يجعله منهم ، فتكونوا لهم تبعا . فكان قوله : حسدا مصدرا من ذلك المعنى . وأما قوله : من عند أنفسهم فإنه يعني بذلك : من قبل أنفسهم ، كما يقول القائل : لي عندك كذا وكذا ، بمعنى : لي قبلك . وكما : 1482 - حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر [ عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ] قوله : من عند أنفسهم . وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين من عند أنفسهم إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم ، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه . القول في تأويل قوله تعالى : من بعد ما تبين لهم الحق . يعني جل ثناؤه بقوله : من بعد ما تبين لهم الحق أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم الحق في أمر محمد ( ص )