محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فإن قال لنا قائل : فهل لك علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن ، وأي الألسن هي من ألسن العرب ؟ قلنا : أما الألسن الستة قد نزلت القراءة بها ، فلا حاجة بنا إلى معرفتها ، لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها ، مع الأسباب التي قدمنا ذكرها . وقد قيل : إن خمسة منها لعجز هوازن ( 1 ) ، واثنين منها لقريش وخزاعة . وروي جميع ذلك ابن عباس ، ليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله ، وذلك روى عنه أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن : الكلبي عن أبي صالح ، وأن الذي عنه أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة : قتادة ، وقتادة لم يلقه ولم يسمع منه . 55 - حدثني بذلك أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر الخزاعي ، قال : حدثنا الهيثم بن عدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآن بلسان قريش ، ولسان خزاعة ، وذلك أن الدار واحدة . 56 - وحدثني بعض أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الأسود الدؤلي ، قال : نزل القرآن بلسان الكعبين : كعب بن عمرو ، وكعب بن لؤي . فقال خالد بن سملة لسعد بن إبراهيم : ألا تعجب نم هذا الأعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين ، وإنما نزل بلسان قريش ! . قال أبو جعفر : والعجز من هوازن : سعد بن بكر ، وجشم بن بكر ، ونصر بن معاوية ، وثقيف . وأما معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، إذ ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف : " إن كلها شاف كاف " ، فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن : ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) ( 2 ) جعله الله للمؤمنين شفاء يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته .

--> ( 1 ) سيذكرهم بعد أسطر . ( 2 ) سورة يونس ، الآية : 57 .