محمد بن جرير الطبري
461
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا . وإيمان النصارى أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه ، حتى جاء محمدا صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا . 928 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) الآية . قال : سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم ، قال : لم يموتوا على الاسلام . قال سلمان : فأظلمت علي الأرض . وذكر اجتهادهم ، فنزلت هذه الآية ، فدعا سلمان فقال : " نزلت هذه الآية في أصحابك " . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من مات على دين عيسى ومات على الاسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك " ( 1 ) . وقال ابن عباس بما : 929 - حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صال ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ) إلى قوله : ( ولا هم يحزنون ) . فأنزل الله تعالى بعد هذا : ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ( 2 ) . وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله في الآخرة الجنة ، ثم نسخ ذلك بقوله : ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) ( 2 ) . فتأويل الآية إذا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي : إن الذين آمنوا من هذه الأمة ، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من اليهود والصابئين بالله واليوم الآخر ، ( فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . والذي قلنا من التأويل أشبه بظاهر التنزيل ، لان الله جل ثناؤه لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الايمان بعض خلقه دون بعض منهم ، والخبر بقوله : ( من آمن بالله واليوم الآخر ) عن جميع ما ذكر في أول الآية . قول في تأويل قوله :
--> ( 1 ) وهذا الحديث أيضا متقطع . وهو إسناد آخر للحديث السابق . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 85 .