محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بعض البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها ، حتى يجئ أو يرسل إليه . فلما فرغ من المصحف ، كتب عثمان إلى أهل الأمصار : إني قد صنعت كذا وكذا ، ومحوت ما عندي ، فامحوا ما عندكم . 52 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس قال : قال ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري ، أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق ، فتذاكروا القرآن واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة . فركب حذيفة بن اليمان لما رأى اختلافهم في القرآن إلى عثمان ، فقال : إن الناس قد اختلفوا في القرآن ، حتى إني لأخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف ! قال : ففزع لذلك فزعا شديدا ، فأرسل إلى حفصة ، فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها ، فنسخ منها مصاحف ، فبعث بها إلى الآفاق . 53 - حدثني سعيد بن الربيع ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، قال : قبض النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكن القرآن جمع ، وإنما كان في الكرانيف ( 1 ) والعسب ( 2 ) . 54 - حدثنا سعيد بن الربيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن صعصعة : أن أبا بكر أول من ورث الكلالة ( 3 ) ، وجمع المصحف . قال أبو جعفر : وما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتاب والآثار الدالة على أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه ، جمع المسلمين نظرا منه لهم وإشفاقا منه عليهم ورأفة منه بهم ، حذار الردة من بعضهم بعد الاسلام ، والدخول في الكفر بعد الايمان ، إذ ظهر من بعضهم بمحضره وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ، مع سماع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) النهي عن التكذيب بشئ منها ، وإخباره إياهم أن المراء فيها كفر . فحملهم - رحمة الله عليه - إذ رأى ذلك ظاهرا بينهم في عصره ، وبحداثة عهدهم بنزول القرآن ، وفراق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إياهم ، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرف واحد ( 4 ) . وجمعهم على مصحف واحد وحرف واحد ، وحرق ما عدا
--> ( 1 ) الكرانيف : أصول السعف الغلاظ العراض التي إذا يبست صارت مثل الأكتاف جمع كرنافة . ( 2 ) في نسخة : " السعف " بدل " العسب " . ( 3 ) سيأتي تفسير الطبري للكلالة في تفسير الآية 12 من سورة النساء . ( 4 ) قوله : " على واحد " متعلق بقوله : " فحملهم رحمة الله عليه " .