محمد بن جرير الطبري
44
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
أبو بكر : إن هذا دعاني إلى أمر فأبيت عليه ، وأنت كاتب الوحي ، فإن تكن معه ابتعتكما ، وإن توافقني لا أفعل . قال : فاقتص أبو بكر قول عمر ، وعمر ساكت ، فنفرت من ذلك وقلت : نفعل ( 1 ) ما لم يفعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ إلى أن قال عمر كلمة : وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ قال : فذهبنا ننظر ، فقلنا : لا شئ ، والله ما علينا في ذلك شئ ! قال زيد : فأمرني أبو بكر ، فكتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب ( 2 ) . فلما هلك أبو بكر ، وكان عمر ( 3 ) ، كتب ذلك في صحيفة واحدة ، فكانت عنده . فلما هلك ، كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . ثم إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة كان غزاها في فرج ( 4 ) أرمينية ، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان ، فقال : يا أمير المؤمنين أدرك الناس ! فقال عثمان : وما ذاك ؟ قال : غزوت فرج ( 4 ) أرمينية ، فحصرها أهل العراق وأهل الشام ، فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق فتكفرهم أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فتكفرهم أهل الشام . قال زيد : فأمرني عثمان بن عفان أكتب له مصحفا ، وقال : إني مدخل معك رجلا لبيبا فصيحا ، فما اجتمعتما عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إلي ! فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص . قال : فلما بلغنا : ( إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) ( 5 ) قال زيد : فقلت : التابوه . وقال أبان بن سعيد : التابوت . فرفعنا ذلك إلى عثمان ، فكتب " التابوت " . قال : فلما فرغت عرضته عرضة ، فلم أجد فيه هذه الآية : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) إلى قوله : ( وما بدلوا تبديلا ) ( 6 ) قال : فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم . ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها ،
--> ( 1 ) في نسخة : يفعل . والصواب ما هنا . ( 2 ) الأدم جمع أديم ، وهو الجلد المدبوغ . والكسر : جمع كسرة ، وهي القطعة المكسورة من الشئ . والأكتاف : جمع كتف ، وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه . والعسب : جمع عسيب ، وهو جريد النخل إذا نحي عنه خوصه . ( 3 ) " كان " هنا فعل تام ، أي تولى الامر بعد أبي بكر . ( 4 ) كذا في الأصل ، والصواب " مرج " كما طبعة دار المعارف . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 248 . ( 6 ) سورة الأحزاب ، الآية : 23 .