محمد بن جرير الطبري

415

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) * يعني بقوله : ثم بعثناكم ثم أحييناكم . وأصل البعث : إثارة الشئ من محله ، ومنه قيل : بعث فلان راحلته : إذا أثارها من مبركها للسير ، كما قال الشاعر : فأبعثها وهي صنيع حول * كركن الرعن ذعلبة وقاحا والرعن : منقطع أنف الجبل ، والذعلبة : الخفيفة ، والوقاح ، الشديدة الحافر أو الخف . ومن ذلك قيل : بعثت فلانا لحاجتي : إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها . ومن ذلك قيل ليوم القيامة : يوم البعث ، لأنه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب . ويعني بقوله : من بعد موتكم من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم . وقوله : لعلكم تشكرون يقول : فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم بإحيائي إياكم استبقاء مني لكم لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم ، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربكم . وهذا القول على تأويل من تأول قوله ثم بعثناكم ثم أحييناكم . وقال آخرون : معنى قوله : ثم بعثناكم أي بعثناكم أنبياء . حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي . قال أبو جعفر : وتأويل الكلام على ما تأوله السدي : فأخذتكم الصاعقة ، ثم أحييناكم من بعد موتكم ، وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم ، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشركون . وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، والمؤخر الذي معناه التقديم . حدثنا بذلك موسى ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي . وهذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه مع إجماع أهل التأويل على تخطئته . والواجب على تأويل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله : لعلكم تشكرون تشكروني على تصييري إياكم أنبياء .